أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

372

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فصلت « 1 » : أَرِنَا الَّذَيْنِ وقرأ ابن كثير بالإسكان في الجمع ووافقه في فصلت ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ، واختلف عن أبي عمرو فروى عنه السوسي موافقة ابن كثير عن الجميع ، وروى عنه الدوري « 2 » اختلاس الكسر فيها ، أما الكسر فهو الأصل ، وأما الاختلاس فحسن مشهور ، وأما الإسكان فللتخفيف شبهوا المتصل بالمنفصل ، فسكنوا كسره كما قالوا في فخذ : فخذ ، وكتف : كتف . وقد غلط قوم راوي هذه القراءة ، وقالوا : صار كسر الراء دليلا على الهمزة المحذوفة فإن أصله : « أرنا » ثم نقل قال الزمخشري تابعا لغيره ، قال الفارسي : التغليط ليس بشيء ، لأنها قراءة متواترة ، وأما كسرة الراء فصارت كالأصل ، لأن الهمزة مرفوضة الاستعمال ، وقال أيضا : ألا تراهم أدغمرا في لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي « 3 » والأصل « لكن أنا » نقلوا الحركة وحذفوا ثم أدغموا ، فذهاب الحركة في « أرنا » ليس بدون ذهابها في الإدغام ، وأيضا فقد سمع الإسكان في هذا الحرف نصا عن العرب ، قال : 730 - أرنا إدواة عبد اللّه نملأها * من ماء زمزم إنّ القوم قد ظمئوا « 4 » وأصل أرنا : أرءنا ، فنقلت حركة الهمزة إلى الراء ، وحذفت هي وقد تقدم الكلام فأشبع من هذا عند قوله : حَتَّى نَرَى اللَّهَ « 5 » . والمناسك واحدها : منسك بفتح العين وكسرها ، وقد قرئ « 6 » بهما ، والمفتوح هو المقيس لانضمام عين مضارعة ، والمنسك : موضع النسك وهو العبادة . قوله : فِيهِمْ * في هذا الضمير قولان : أحدهما : أنه عائد على معنى الأمة إذ لو عاد على لفظها لقال : « فيها » قاله أبو البقاء . والثاني : أنه يعود على الذرية بالتأويل المتقدم ، وقيل : يعود على أهل مكة ويؤيده : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ « 7 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 129 إلى 130 ] رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 129 ) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 ) قوله تعالى : مِنْهُمْ : في محل نصب ، لأنه صفة لرسولا ، فيتعلق بمحذوف أي : رسولا كائنا منهم . قوله : يَتْلُوا في محل هذه الجملة ثلاثة أوجه :

--> ( 1 ) سورة فصلت ، آية ( 29 ) . ( 2 ) حفص بن عمر بن عبد العزيز الأزدي الدوري أبو عمر إمام القراءة في عصره كان ثقة ثبتا ضابطا له كتاب « ما اتفقت ألفاظه ومعانيه من القرآن » وغير ذلك توفي سنة 246 ه النشر ( 1 / 134 ) ، إرشاد الأريب ( 4 / 118 ) ، غاية النهاية ( 1 / 255 ) ، الأعلام ( 2 / 264 ) . ( 3 ) سورة الكهف ، آية ( 38 ) . ( 4 ) البيت من شواهد القرطبي ( 2 / 87 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 55 ) . ( 6 ) سورة الحج ، آية ( 34 ) . ( 7 ) سورة الجمعة ، آية ( 2 ) .